السيد علي الفاني الأصفهاني

172

آراء حول القرآن

مداليل مطابقية أو تضمنية لها بالضرورة ، ولما كان للمتكلم أن يخصص العام ويقيد المطلق فكذلك له أن ينسخ ، ولذا قال الشيخ الأنصاري بأن النسخ تخصيص أزماني ، ولكننا نقول أن دليل النسخ حاكم على دليل المنسوخ حكومة مقامية . وتلخيص الكلام أن النسخ إذا كان بحسب نفس الأمر وفي الواقع يكون مستلزما لجهل الباري جل وعلا ولكنه ليس كذلك ، بل هو إزالة للحكم في مرحلة الظاهر على نحو الحكومة المقامية كما مرّ ، وهو أنه في مورد النسخ لما كان المقام مقام الإطلاق من ناحية بيان زمان الحكم أخذ العرف بهذا الإطلاق وحكم بالاستمرار وأسنده إلى الشارع تطبيقا للظاهر على الواقع واستدلالا بعالم الإثبات على عالم الثبوت واستمر حكم العرف باستمرار حكم الشارع إلى زمان ورود دليل النسخ وظهر للعرف ما كان مختفيا عليه وهو أن الحكم كان محدودا من جهة الزمان إلى الحد الخاص الذي بيّنه دليل النسخ ، فالنسخ والبداء متوافقان في أنهما ظهور بعد الخفاء ، وإن شئت قلت ابداء من اللّه للناس ما أخفى عليهم أو كان مختفيا عنهم ، وليسا بحدوث علم له تعالى شأنه بعد عدم علمه كما هو واضح ، وأما المصحح للتعبير بالنسخ فلأنه إزالة للحكم في مرحلة الظاهر ، فلا يرد الإشكال بأن دليل النسخ على ما ذكرتم إنما جاء لبيان انتهاء أمد الحكم ، فالحكم لم يكن في نفس الأمر دائما ، بل كان مؤقتا إذ يقال في الجواب بأن النسخ ظاهري صوري ، نعم لو ذهب أحد إلى أن النسخ واقعي ورد عليه اشكال حدوث العلم للباري تعالى بعد جهله المستلزم لمحذور محدودية علم اللّه ولمحذور وقوع التغير في ذات اللّه وكلاهما مناف لوجوب وجوده ، وقد يقرر الدليل العقلي على امتناع النسخ بتقريب يجمع بين الدليلين السابقين فيقال ان نسخ الحكم اما أن يكون لحكمة ظهرت للّه تعالى بعد أن لم تكن ظاهرة له ، واما مع عدم الحكمة فإن كان الأول لزم البداء في علم اللّه تعالى ، ومعنى البداء نشوء رأي لم يكن ، فلا بد حينئذ من أن يكون اللّه جاهلا